المواضيع الأخيرة
» كتاب نظريات الاتصال.مجانا
السبت أبريل 18, 2015 1:26 pm من طرف ريم الصالح

» كتاب الاتصال و فن الحوار لطلبة قسم التخرج
الجمعة أكتوبر 24, 2014 1:23 pm من طرف محمد العمر

» - مهارات الاتصال و فن الحوار- تحميل مجاني للكتاب
الجمعة أكتوبر 24, 2014 1:18 pm من طرف محمد العمر

» كتب ومواضيع مضغوطة عن الاتصال لجميع السنوات1و2و3و4 اعلام واتصال
الخميس أكتوبر 16, 2014 9:28 pm من طرف asterjiji

» كتب وبحوث علمية في الاعلام و الاتصال مضغوطة zip
الخميس أكتوبر 16, 2014 9:24 pm من طرف asterjiji

» كتاب هام جدا العلاقات العامة من 166صفحة
الخميس أكتوبر 09, 2014 3:36 pm من طرف kingyoucef

» كتاب سبل الإتصال...
الأحد يوليو 20, 2014 7:43 am من طرف احمد بومرزوقة

» الإتصال الخارجي في المؤسسة
الخميس يناير 09, 2014 10:43 pm من طرف salim.bensaadi.9

» نمودج عن صحيفة عمومية بطاقة تقنية اقتصاد الاعلام
الجمعة يناير 03, 2014 8:37 pm من طرف houda belle

» التشريع القانوني لالاعلام الالكتروني في الجزائر دراسة موقع الاداعة التلفزيون الصحافة و وكالة الانباء الجزائرية
الجمعة يناير 03, 2014 8:34 pm من طرف houda belle


العولمة والحاكمية والمواطنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جديد العولمة والحاكمية والمواطنة

مُساهمة من طرف طارق في الإثنين نوفمبر 17, 2008 6:01 pm

ثمة بين العولمة والحاكمية والمواطنة أكثر من آصرة ارتباط في اجتماعها، وبينها أكثر من رابطة إن اعتمد في فهمها مبدأ "المقاربة بالثنائيات". والواقع أن طبيعة الرابطة هاته وآصرة الارتباط تلك لا تكمنان في كون الثلاثية إياها تشتغل على أساس من التصور النسقي، الجلي للوهلة الأولى، و لا لأنها تحيل في مثنياتها على حقول معرفية متشابهة أو متقاطعة، ولكن وبالأساس، لأنها تستنبط أدوات اشتغالها من مرجعية واحدة، موحدة، متجدرة الموقع وكونية التطلع.
هناك إذن بين العولمة والحاكمية والمواطنة توحد في فلسفة الوسيلة ومرجعيتها، وهناك بينها أيضا تناسق وتوافق في خلفية الغاية ومجال الفعل، بالتالي فلا يبدو أمر الحديث فيها مجتمعة (أو فرادى ومثنيات) من باب الموضة الخالص ولا على أساس من صدفة التزامن المحض بقدر ما يتراءى لنا نتاج صيرورة وتفاعل.
ليس من أهداف هذه الدراسة الوقوف عند عناصر الثلاثية إياها لتتبع مراحل فعل وتفاعل بعضها البعض ولا مساءلة خلفياتها أو أبعادها، بقدر ما سنعمل على استجلاء طبيعة العلاقة التي تربط مثنياتها من جهة وتجعل من اجتماعها إحدى سمات العصر الكبرى من ناحية أخرى.
في العولمة والحاكمية
لم يلق مصطلح الحاكمية من الرواج والانتشار ما لقيه سلفه العولمة. والسبب، في تصورنا، لا يأتي فقط من كون المصطلح "اكتشاف جديد" قياسا إلى مصطلح العولمة الذي يرى البعض في قدمه قدم الإنسان نفسه، ولكن لأن المصطلح يحوي قدرا كبيرا من التقنية وتحيل مقاربته إلى أكثر من علم تجريدي دقيق، عكس مصطلح العولمة الذي وظف " بكل ألوان الطيف" وهو لربما ما زاد من درجة الإبهام التي تطاله.
العولمة هي نمط من تدبير العلاقات الدولية لا على أرضية من تواجد دول وشعوب وحدود وحواجز ولوائح وسلط وطنية، ولكن على أساس من كونها (أي العلاقات الدولية) تيارات سلع ومال وخدمات ومعارف ورموز لا تحتكم لسلطان ترابي ولا لمرجعية وطنية ولا تخضع لتراتبية معينة ولا ترى، فضلا عن ذلك، في الحكومات والدول والبرلمانات (والعدالة أيضا) إلا وحدات تابعة لا مؤسسات يأتمر " فاعلو" العولمة بأوامرها إما لأن أدوارها تقوضت أو لأن مبدأ الاشتغال على وتيرتها قد تجووز.
أما الحاكمية فهي، بامتداد وظاهرة العولمة، إنما تعنى بممارسة التسيير العقلاني والرشيد لمنظمات ومؤسسات ونشاطات مختلفة (من المقاولة إلى المدرسة إلى الجامعة إلى البيئة وإلى غيرها من الأنشطة البشرية الأخرى) ليس فقط من الشفافية والمحاسبة بل وكذلك على أساس من "التشاركية" واللامركزية وتحريك "المبادئ الديموقراطية"، على كل مستويات الفعل والتنظيم الاجتماعي.
وعلى هذا المنوال، فالمصطلح، مصطلح الحاكمية، لا يوظف فقط من لدن العلوم الإدارية لفهم مشاكل تسيير المؤسسات الكبرى ولا من طرف دارسي المجال الحضري لملامسة إشكالية التمركز واللاتمركز واللامركزية ولكن أيضا من قبل المشتغلين بالعلوم السياسية الذين يرون في تقوي البيروقراطيات وتزايد الممارسات اللاعقلانية في تدبير الشأن العام وجها من وجوه إفلاس الدولة المركزية وانفلات مكوناتها ومجالاتها، لدرجة انبعاث " فاعلين جدد" من تحت أقدامها (مؤسسات ما يسمى ب"المجتمع المدني") ومن فوق رأسها (فاعلو العولمة الجدد من شركات عابرة للقارات ومؤسسات مالية متجددة ومنظمة التجارة العالمية والملتقيات الاقتصادية الكبرى وغيرها).
لو كان لنا أن نستجلي أوجه التقاطع بين الظاهرتين (ظاهرة العولمة وظاهرة الحاكمية) لاستجلينا إجمالا ثلاثة أوجه كبرى:
+ أما وجه التقاطع الأول فيتمثل في التراجع المستمر لدور ووظيفة الدولة-الأمة (الدولة- الرفاه كما كان رائجا) لا فقط كقوة إنتاجية وأداة توزيعية ووحدة فاعلة في العلاقات الدولية ولكن أيضا كمكمن للمشروعية التي تعتبر هذه العناصر مجتمعة تجليها وتمظهرها.
معنى هذا أنه إذا كانت ظاهرة العولمة قد ساهمت (وإلى حد بعيد) في الانتقاص من مشروعية الدولة (نتيجة المساهمة في تأزيم أدوارها ووظائفها)، فإن الحاكمية ذاتها تعمل باتجاه تعرية ما بقي من المشروعية إياها ليس فقط على المستوى القطري (تطبيق النظرة الاقتصادية شبه الخالصة على المجالات الاجتماعية والسياسية وغيرها) ولكن أيضا على مستوى الممارسة والتطبيق من خلال العمل على تقوية القطاع الخاص والدفع بمكونات "المجتمع المدني" والتركيز على دمقرطة ميكانيزمات التسيير والتدبير و"الدفاع" على منظومة وقيم حقوق الإنسان.
ومعناه كذلك أن الحاكمية إنما تعمل بموازاة و" وصايا العولمة" على خلق مؤسسات وسلط "جديدة" من داخل الدولة أو تقوية من هي من خارجها (كتقوية المناطق والمدن والجهات) أو من تحتها وفوقها سواء بسواء (كالدفع بمنطق التجمعات الجهوية وتزكية المبادرات الأفقية وما إلى ذلك.
+ وجه التقاطع الثاني بين العولمة والحاكمية لا ينحصر فقط في الإنقاص من دور الدولة-الأمة (عبر الدفع بالمؤسسات المدنية المنافسة لها) ولكن يتعدى ذلك إلى المطالبة بتحييد ذات الدولة-الأمة وتحويلها إلى الأفراد والجهات والوحدات ذات المصالح الخاصة والتطلعات الفئوية.
بناء على ذلك يعتقد الليبراليون الجدد (المتخصصون في قضايا التنمية والتدبير) أن الإصلاح المؤسساتي الذي تدفع به "نظرية" الحاكمية زمن العولمة إنما يرتكز على " أن الديناميكية العامة للسياسات الماكروقتصادية الليبرالية واللامركزية والخوصصة تفتح أبوابا جديدة للاستقلالية، للمبادرة الفردية الحرة وللمشاركة. وهو ما سيقوي حتما قيم المجتمع المدني في مواجهة سلطات عمومية متجمدة وجامدة".
ليس غريبا إذن أن يربط هؤلاء في " رزمانة واحدة" الإصلاح الإداري والحاكمية والديموقراطية و" بناء المجتمع المدني" تماما كما يربطوا بين الشفافية والعقلانية وحسن التدبير وتراجع البيروقراطية والمركزية وغياب التشاورية وقس على ذلك.
+ أما وجه التقاطع الثالث فيكمن في التوجه المتزايد باتجاه فصل الديموقراطي عن العمل السياسي لا من باب الآليات فحسب بل أيضا من جانب المضمون. بمعنى أن القرارات الكبرى (التي تؤثر في الحاضر وترهن المستقبل) لم تعد من صلاحية الحكومات "الوطنية" كما كان الحال من ذي قبل، بل أصبحت من اختصاص مؤسسات تحت- وطنية وفوق-وطنية.
ومعنى هذا أنه ما دامت الحاكمية تتكرس في فضاء معولم (جارفة بذلك سلطة الدولة-الأمة) فإنها تدفع باتجاه انبعاث فاعلين (محليين وجهويين فئويي المصالح) تماما كما تدفع باتجاه تحويل التكتلات ما فوق- الوطنية إلى مراكز للقرار جديدة، ذات صفة تقنوبيروقراطية (وليست سياسية) كالاتحاد الأوروبي واتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية ومؤسستا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأيضا منظمة التجارة العالمية.
هي ترتكز إذن على جعل قراراتها وتوصياتها شروطا قبلية " لممارسة التنظيم السياسي، الكامن في المؤسسات التشريعية الوطنية أو المحلية" أو من المفروض على الأجهزة التنفيذية الوطنية اعتمادها (ولكنها تعبر عن قوانين تنظيمية ذات طبيعة سياسية".
والعولمة من جهتها تفرز (شأنها شأن الحاكمية في ذلك) مجموعة ممارسات تدفع بذوي المصالح الفئوية الخاصة إلى التكتل والعمل المشترك منتجين بذلك توافقات اجتماعية من خارج التنظيم السياسي ذاته.
الحاصل إذن أن العولمة والحاكمية مجتمعتين تدفعا باتجاه إخضاع التنظيم السياسي لتوافقات اجتماعية تقنوبيروقراطية وفئوية من خارج النسق السياسي ومن خلال تجاوز لمشروعيته.
في العولمة والمواطنة
الحديث في المواطنة (كبحث دؤوب ومستمر عن المساواة) يحيل بطريقة أو بأخرى إلى مستويين من التحليل مرتبطين: المستوى التشريعي والحقوقي (بما هو تنصيص على حقوق وواجبات الأفراد والجماعات) ومستوى دولة الحق والقانون، الدولة الديموقراطية باعتبارها ترجمة ذات الحقوق والواجبات على مستوى الممارسة والواقع.
المواطنة تعبير عن الحداثة السياسية وهي بذلك غالبا ما تقارب باتكاء على فضاء وسعة الحقوق السياسية التي يتمتع بها الأفراد والجماعات.
ليس مجال التفصيل هنا في إشكالية المواطنة (في أبعادها، في سوسيولوجيتها أو في تاريخ نشأتها وتطورها). إنما هدفنا هنا هو ربطها بإشكالية العولمة ومدى تأثير هذه الأخيرة في طبيعتها ومجال فعلها.
والواقع أن بحث العلاقة بين العولمة والمواطنة يبرز لنا ثلاث حقائق أولية كبرى
+ الحقيقة الأولى أن العولمة تحيل (من بين ما تحيل عليه) إلى إشكالية اقتصاد السوق بما هو غاية هذه الظاهرة ومضمونها أيضا. بالتالي فالعولمة إياها (بما هي بداية المطاف ونهايته) إفراز الفكر اللليبيرالي الجديد، لا ترى المواطنة إلا بربطها و "حرية السوق" بما هي (أعني حرية السوق) عمق هذا الفكر ونقطته الجوهرية.
معنى هذا أن السوق بقواعده وقوالبه "الطبيعية" إنما هو تعبير (وفق المنطق اللليبيرالي الجديد) عن المواطنة تماما كما هو مواطن كل من تعاقد (بحريته الذاتية) لبيع قوة عمله لمالك وسائل الإنتاج.
ومعناه أيضا (وفق هذا الفكر)أنه ما دامت المواطنة حقوق وضعية بالأساس فإنها تبقى مبنية على الاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية في حين أن حقوقها "الطبيعية" (و"الحقيقية" يقول البعض) تبقى محصورة في السوق.
هناك إذن قوانين مصاغة (لتكريس الحقوق أو للحفاظ عليها) وهناك تلك التي تتمتع ب "الصفة الطبيعية غير المتغيرة" والتي تؤسس لخلفية السلوكات والتمثلات. هذا التمييز بين الوضعي والطبيعي (في تحديد الحقوق) هو في عمقه من التمييز بين السياسي والاقتصادي سواء بسواء: للمواطنين أن يهتموا بقضايا الحقوق السياسية (الوضعية) ولأصحاب المقاولات والمستثمرين ورجال الأعمال أن يشتغلوا وفق " قانونهم الطبيعي" الذي يحدده لهم السوق.
على هذا الأساس، إذا كانت المواطنة من مجال الوضعي، الحقوقي- المدني والنشاط الاقتصادي من فضاء الطبيعي (قانون العرض والطلب مثلا) فإن هذا النشاط يستثني عمليا من الانشغال المواطناتي. إذن لا يمكن "أن نكون مواطنين بمعنى السوق، إذا كان هذا الأخير يشتغل وفق قانون آخر، قانون طبيعي"، يخضع في فعله لمبادئ داروين المعروفة.
+ الحقيقة الثانية (المكملة للأولى) وتتمثل في أن العولمة ساهمت (ولا تزال) في جعل المواطنة على المحك ليس فقط من خلال تكريس نموذج من الديموقراطية شكلي (مادام لا يركز إلا على الحقوق الشكلية) ولكن أيضا من خلال الإقصاء الممنهج لكل البدائل الديموقراطية المتاحة الأخرى.
لا مواطنة إذن زمن العولمة إلا مواطنة السوق المنصهرة بدورها في ديموقراطية السوق: لا مواطنة (اللهم شكليا) إلا لمن يملك ويتملك، ولا مواطنة إلا لمن يضع القوانين واللوائح، ولا مواطنة إلا للأقوى نهاية المطاف.
ليس غريبا إذن أن تنتشر مؤسسات "المجتمع المدني" بكل أرجاء المعمور (عبر الأعمال التطوعية والمبادرات الموجهة والنشاطات التحسيسية وغيرها) لا بغرض استحصال "حقوق مواطناتية" من حجم ما أو من فصيلة ما، ولكن على الأقل لتصحيح ما أفرزته مواطنة السوق من بؤس وتفقير وتهميش ولامساواة أمام المواطنة الحقيقية.
+ الحقيقة الثالثة وتكمن في أن العولمة بقدر ما تتطلع للشمولية وللشوملة (لتطال بذلك الكون بمجمله) بقدر ما ترفض تكريس مبدأ المواطنة الشمولية والمشوملة تماما كما ترفض الدول الكبرى والمنظمات الدولية مبدأ حرية التنقل العالمي للأفراد على غرار ما هو ساري على مستوى تنقل تيارات السلع والخدمات والأموال (المضارباتية).
هناك، زمن العولمة، وضع تضاد وتوتر بين الادعاء بشمولية القيم الديموقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان وبين واقع التجربة التاريخية المميزة للأفراد والجماعات داخل المجتمعات، وضع تضاد وتوتر بين الادعاء بالانتماء والانتساب المشترك إلى "عالم واحد" وواقع الانكماش (المفروض غالب الأحيان) داخل فضاء عام محدد ومجال جغرافي محدود.
في المواطنة والحاكمية
المواطنة ليست مفهوما سياسيا خالصا ولا معطى قانونيا صرفا. هي بعض من كل هذا دون شك، لكنها بالأساس وسيلة للاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وسيلة التحسيس بالعيش في المجتمع تعبيرا عن الكينونة اجتماعيا.
والمواطنة فضلا عن ذلك نسبية وتاريخية يتموضع في جوهرها ما يسمى المجتمع المدني وتدفع باتجاه تقوية الديموقراطية وتكريس مبادئها وقيمها.
تلتقي الحاكمية (على الأقل خطابا) مع المواطنة في كل هذا، لكنها تتقاطع معها على الأقل في ثلاثة مستويات جوهرية أخرى:
+ المستوى الأول: إذا كانت الدولة-الأمة ومؤسساتها هي مركز الشرعية ومكمن المشروعية، فإن الحاكمية (والحاكمية الجديدة فيما بعد) تعمل باتجاه تقويض ذات المركز والممكن من فوق تماما كما يعمل " فاعلو المواطنة" على تقليصها وتقزيمها من التحت: فأن تطالب المنظمات الدولية والدول الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات وغيرها بضرورة "تحويل السلطة" إلى السوق والقطاع الخاص (المؤتمنين على العقلانية والشفافية وحسن التدبير) هو نهاية الأمر من تقويض قواعد "الشرعية البيروقراطية" و"المشروعية المؤسساتية" التي طالما انبنت عليها مقومات الدولة-الأمة واشتغلت وفقها مؤسساتها، تماما كما هو الشأن بالنسبة لمواطني المجتمع المدني الذي يجعل من فضاء المدن والبيئة ودور الصفيح ودور الرعاية والاندماج وغيرها فضاء اشتغاله ومغزى تواجده.
معنى هذا أنه بقدر التعرية التي تمارسها الحاكمية (من فوق) على المشروعية، بقدر تلك التي تطال هذه الأخيرة من تحت عبر "إكراهات" المواطنة والمجتمع المدني
+ المستوى الثاني: ويكمن في القول (امتدادا لما سبق) في أن الحاكمية، كما المواطنة سواء بسواء، تتعدى وتتجاوز البعد التقنوقانوني (ذي الطبيعة الفئوية الخاصة) لتتحول إلى ما يشبه حكومة خارج الممارسة السياسية القائمة. والسبب في ذلك لا يكمن فقط في شغلها لحيثما عجزت فيه الدولة-الأمة والحكومة (السياسية) ولكن أيضا لأن المواطنة والحاكمية يحتكمان إلى توافقات بين فاعلين جدد هم الذين يحددون حقيقة الممارسة المجتمعية ويرهنون إلى حد بعيد المؤسسات التقريرية التقليدية (من برلمانات وحكومات ومجالس وغيرها).
قد يبرز للناظر أن البرلمانات "الوطنية" والحكومات التنفيذية هي مصدر المبادرات ومكمن التشريعات، وهو أمر لا يجانب الصواب لكنه يبقى مع ذلك خاضعا في شكله (كما في جوهره) لثنائية "المحدد والمهيمن نهاية المطاف" التي تحدثت فيها الأدبيات السياسية الكلاسيكية.
+ أما المستوى الثالث فيتمثل في الاتجاه المعتمد من لدن فاعلي المواطنة والحاكمية (على حد سواء) على إعمال مبدأ التشاركية والمساهمة (ولو على مستوى الخطاب في أحيان عديدة) عوض الاتكاء على ميكانيزمات " ديموقراطية" غالبا ما تطال الشكل السياسي على حساب المضمون الاقتصادي والاجتماعي.
وهو أمر لا ينقصه الصواب كثيرا على اعتبار الاعتقاد بأن حل إشكال المواطنة (بكل أبعادها) هو أولا وأخيرا من تفعيل منطق التشاركية وقيم المساهمة.
قد لا يكون من الأهمية الكبيرة الالتزام بمواطنة ممركزة في بعدها القانوني على الحقوق إذا لم تكن مبنية في أساسها على تمثل الواقع الاقتصادي والاجتماعي المباشر وعلى الخلفية الثقافية الضامنة لكينونة الفرد في المجتمع، وإذا لم تكن، فضلا عن كل هذا وذاك، محتكمة إلى الحق في صياغة القرارات وتطبيقها على أفراد وجماعات هم، في المحصلة النهائية، غايتها ووسيلتها.
وهي إشكالات ليس من السهل (ولا من الوارد) اجتماعها ليس فقط جراء أوجه التنابذ والتضاد التي تميز علاقة المواطنة بالحاكمية ولكن أيضا بسبب تضادهما ومنطق العولمة ذاته.
في العولمة والحاكمية والمواطنة
العولمة والحاكمية صورتان لمسلسل واحد. فهما معا نتاج فكر ليبرالي "متجدد" يحيل إلى إشكالات الاقتصاد والديموقراطية والثقافة للسوق... وما سوى هذا الأخير هو ضرب من ضروب اللاعقلانية والبيروقراطية والمركزية التقريرية.
الحاكمية هي الابن الشرعي للعولمة: تدفع بها وتفتح لها سبل الرواج والانتشار.
ربما كانت العولمة هي حامل "المشروطية الاقتصادية" التي تطال الاقتصاديات والمجتمعات، المدن والجهات، فإن الحاكمية هي التعبير الجديد عن "المشروطية السياسية" التي بدأت تطال الحكومات والبرلمانات الوطنية وما سواها تحت مسوغة حقوق الإنسان والمجتمع المدني والحداثة وغيرها.
والحاصل أن المنظمات الدولية والهيئات غير الحكومية لم تعد تشترط حسن تدبير ما تقدمه من "مساعدات" فحسب، بل كذلك وبالأساس ربطها بسجل هذه الدولة أو تلك في مجال الحقوق الفردية والجماعية أي "حقوق المواطنة".
على النقيض من ذلك فإن العولمة والحاكمية لا تتقاطع دوما ومبدأ المواطنة ليس من باب الخطاب ولكن بالتأكيد على مستوى ملاحظة واقع الحال.
هناك فيما نعتقد ثلاث نقط توتر كبرى تفعل باتجاه تنافر مكونات هذه الثلاثية أكثر ما تدفع بجهة تناسقها:
+ الأولى، أنه في الوقت الذي ينصهر فيه الكل (في إطار مجتمع عالمي) على خلفية من "المواطنة" العالمية و" فضائل العولمة"، فإن الملاحظ أن منطق الحاكمية يعمل باتجاه تقويض عرى التجمعات السياسية والترابية والاجتماعية والثقافية لدرجة تقوي النعرات الطائفية والوطنية (المنغلقة) والإثنية واللغوية وغيرها. وهو ما تذكيه العديد من مؤسسات المجتمع المدني التي تشتغل على هذه الإشكالات والقضايا.
والقصد من هذا إنما هو القول بأنه ما دامت الحاكمية مبنية على منطق وقوى السوق (على غرار غريمتها العولمة) فإنه لن يكون من نتاج ذلك إلا المزيد من الفوارق الاقتصادية (المعبر عنهم ب"الفقراء الجدد") والجيوسياسية (من خلال تهميش العديد من دول وجهات العالم) والاجتماعية (تزايد وتيرة الإقصاء) وكذا البيئوية (ما يجري من تدمير للطبيعة والنظام البيئي)...الخ.
والقصد كذلك هو التركيز على القول بأن ما هو معولم (لحد الآن) لا يتعدى بعض عناصر الحداثة، وما هو مواطنة لا يتعدى كونه حقوقا مدنية، في حين أن الحاكمية هي التي تدفع نهاية المطاف ب"خوصصة الأرباح وتعميم الخسائر" (الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بالأساس
+ أما نقطة التوتر الثانية فتتمثل في أن صمود المواطنة أمام مد العولمة والحاكمية إنما هو أمر نسبي نسبية المواطنة ذاتها ونسبية شرعية الدولة نفسها التي من المفروض أن تقيم المواطنة وتكرسها.
بالتالي فإعادة الاعتبار للمواطنة (على محك العولمة والحاكمية) هو من إعادته أولا للدولة وللديموقراطية.
الملاحظ، بموازاة ذلك، أن الديموقراطية السائدة حاليا توجد في المحك ليس فقط جراء البيروقراطية المتزايدة والنظام السياسي المنغلق، ولكن أيضا نتيجة "ديكتاتورية الأغلبية" (أو الأقلية في العديد من دول العالم) التي تضيق الخناق على مطالب الاعتراف بالهويات والخصوصيات وغيرها.
بمعنى أن مواطنة الاختلاف والتمايز والحق في التعبير عن التطلع هي أبعد من أن تكون القاعدة زمن تطلع ثقافة العولمة للشوملة وانتشار مبادئ الحاكمية المتكرسة.

طارق
عضو متميز
عضو متميز

ذكر عدد الرسائل : 46
السنة : الرابعة
تاريخ التسجيل : 18/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى